ميسّي


ميسّي

قصص قصيرة

*ليندا حسين/سوريا

ميسّي

الأكياس السوداء التي حُشرت بها أوساخ الاستراحة أثقلُ بكثير مما تبدو، يحملها رضى إلى صدره النحيل ثم يضعها فوق العربة المعدنية. في هذه الاستراحة ينزل المسافرون ليتبولوا ويشتروا الشيبس، يرمون الوسخ في البراميل، ويمضون في حافلاتهم، وحين يأتي الليل يأتي رضى، ويصعب عليك لهذا أن تراه أو أن تميز وجهه. يُفرغ البراميل من أوساخها في أكياس سود، ويرتبها فوق بعضها في عربة تيبَّست دواليبها من الوسخ والبرد. الأكياس في العربة تصل حتى قامته فلا يعود يرى شيئاً، ومع ذلك يعرف طريقه جيداً، فيدفع العربة إلى الساحة الخلفية، حيث يختفي من مشهدك رضى وأكياسه السود.

في الساحة الخلفية يستريح أحياناً، فيشعل بعض الأعواد والورق ويجلس ليشاهد كرة القدم.

في الشاشة صبي اسمه ميسّي، كلما راقص الكرة يتنهَّد رضى، وكلما أحرز هدفاً يتدافع رضى مع اللاعبين ليمسح على شعره. "هذا الميسّي نبي" يهمس رضى لنفسه، شاعراً بطمأنينة وسعادة، وفي عينيه دموع تشبه تلك التي في عينَي من انتهى لتوه من صلاة الفجر.

شؤون أمينة المكتبة

بين باب بيتها ومدخل المدرسة التي تعمل أمينة لمكتبتها أربعة أمتار. لقد كانت محظوظة بالحصول على موافقة العمل هنا. فحتى الأمتار الأربعة على قلتها تكلفها الكثير من تسرع القلب والتعرق والخوف. لم تزر عيادة نفسية في حياتها لكنها تعرف أن لديها رهاب الجموع. تصل المدرسة في وقت مبكر جداً. وتغادرها قبل انتهاء الدوام الرسمي بقليل كي تتجنب الحشود الهائلة التي تريد أن تخرج من باب المدرسة في اللحظة ذاتها. البنات اللواتي يغادرن المدرسة عند انتهاء الدوام صاخبات ويتحركن بسرعة. لسبب ما ستشعر فيما لو خرجت معهن كشعور من يجرفه سيل أو بحر أو يبتلعه جب عميق. لم تتناول في حياتها حبة دواء للتخفيف من الدوار أو القيء الذي يسببه الخوف الذي ينتابها من الأعداد الكبيرة للناس الذين يحبسون أنفسهم في مساحات ضيقة، فهي تعرف تماما كيف تدير هذا الخوف. والمكتبة أفضل مكان للعمل. المكتبة لا يدخلها أحد سواها. وهي أصلا ليست مكتبة. إنها غرفة مدهونة بلون أبيض مصفر ومتقشر. حتى أنه لا يوجد فيها كتب. كثير من الطالبات يعتقدن أن كل مدرسة يجب أن تحوي غرفة فارغة يسمونها المكتبة تشغلها موظفة نحيلة تخاف من التجمعات. هناك الكثير من الطالبات في مدارس هذه المدينة يعتقدن بالفعل أن المكتبة هي غرفة فارغة خفيفة الإضاءة خالية من الكتب تشغلها امرأة غير متزوجة وقليلة الكلام. لا تعرف الطالبات أن شخصا مثل أمينة المكتبة قد يولد طبيعيا وأن أيا منهن معرضة لأن تصير مثلها. ورغم هذا الجهل فالطالبات مهذبات كثيراً معها ويحترمن هذا الخلل ويبذلن جهدا في حمايتها من ضجيجهن وازدحامهن. لكنهن مؤخرا يتهامسن كثيراً عندما يلتقين بها في ممرات المدرسة. لقد أحضرت إحدى التلميذات الأسبوع الماضي صورا لتريها لها، ولكن أمينة المكتبة شعرت بخوف رهيب حين شاهدت الصور. لقد كان هناك ساحة صغيرة وعشرات الناس محشورون فيها. كانوا يرقصون لعروسين أحدهما من المفترض أن يكون تلك التلميذة التي أحضرت الصور. وقد خافت أمينة المكتبة، وشحب لونها، كما لو أنهم يرقصون حولها داخل المكتبة. وتقيأت. الطالبة الشابة أصيبت بالإحباط. ولكنها كانت ممتنة أن أمينة المكتبة لم تتقيأ على صور العرس، ولكن أمينة المكتبة تعرف. تعرف من نظرات التلميذة وتجنبها لها أنها لم تغفر لها فعلتها. وتعرف أن الطالبات حضرن لها تهمة وأوصافا وأمراضا تخص بقاءها عزباء أو عانس، وهذا بالنسبة لها ظلم، لأن هذا لا علاقة له بذاك، ومنذ ذلك اليوم تتهامس التلميذات كثيرا بشأن أمينة المكتبة. لكن ذلك ليس شأنها. إن شأنها الوحيد في هذه الحياة أن تجنب نفسها تكرار هذا الخوف الرهيب. أن تحمي نفسها من هؤلاء الذين لا يمكنهم التحرك إلا على هيئة سرب أو قطيع أو جيش جرار.

-------------------

*قاصَّة سوريَّة من اللاذقيَّة, لها مجموعة قصصيَّة بعنوان : (سماء واحدة لكلّ المدن).

This site was built using