عبّاس كيارستمي : الاستسلام للطَّعم


عبّاس كيارستمي : الاستسلام للطَّعم

عبّاس كيارستمي : الاستسلام للطَّعم

* سيماف حسن

يبدأ الفيلم ببحث البطل عن قاتله أو مساعده على الموت, وعلى عكس كل القصص التي قرأناها, تكون الحياة الشخصية للكل ما عدا البطل هي محور الفلم, يختار البطل السيد "بادي" كل من يجد فيهم الشقاء, فمن أشقى من رجل يتحدث عن ديونه على الهاتف العمومي؟, أو من أشقى من شخص يجمع الأكياس البلاستيكية ليعيش؟ وغيرهما الكثير ممن يجعلونك تتعاطف معهم عند أول ظهور لهم في الفلم.

يكون الشاب الكردي الذي يقضي خدمته العسكرية الراكب الأول مع البطل, يحاول البطل أن يوصِل مهمته إليه بتروّي ليشعر المشاهد بأنه يجلس في كرسي الشاب العسكري الذي لا يبذل جهداً في إخفاء التوتر ويعيد حديثه عن ضرورة عدم تأخره عن الثكنات, مكرراً سؤاله للبطل عن طبيعة العمل إلى ان يصل لطلب الخروج من السيارة البيضاء الضخمة التي يقودها السيد "بادي" .

يصل السيد بادي مع صديقه الجديد الذي يبدو أنه يشك في صحة عقل من أقلَّهُ إلى المكان المطلوب, طريق جبلي يفصل بين المكان والمدينة, وتبدو المدينة من ذاك المكان كمن يختنق في الغبار , جلَ ما يطلبه السيد "بادي" هو قدوم صديقه العسكري في الصباح كي ينظر إلى تلك الحفرة المجهزة لِصق الطريق الجبلي وينادي عليه كي يتأكد من أنه حيّ أم ميت ومن ثم يأخذ أمواله بعد أن يكب التراب على جثة السيد "بادي" إن حصل وكان ميتاً, إلا أن الشاب الخائف يفضل الهرب على احتمال أن يوافق ويضطر إلى كب التراب على رأس شخصٍ متوفى.

يحاول كل من الأصفر من والبني التغلب على الآخر ليسيطر الغبار على أغلب المشاهد في الفلم, أما السيد "بادي" فيستمر بالبحث عن مساعده الذي يحاول انتقاءه بعناية ويستعين بالصدفة التي تجمعه ببضع ممن يواجهون مشاكل تتعلق بالمال أو العمل ليكونوا له عوناً في اختياره.

 يحاول المخرج عباس كيارستمي أن يوهم مشاهده بأن مشهد الموت, أو الانتحار, أو ربما انتهاء الحياة سيظهر في آخر الفلم إلا أن الأحداث الجارية في إحدى مدن ايران في يوم عطلة تستمر-رغم بطئها- بالتفوق على توقعاتك.

المخرج الإيراني عباس كيارستمي

الايقاع والقافية كلاهما يختلفان عندما يلتقي الباحث عن الانتحار بحارس الأمن الافغاني الذي يحرس ماكنة الاسمنت كي يكون السيد "بادي" هو من يبث التفاؤل في نفس الحارس قائلاً بأن لا مكان ألطف من الأرض وفي نفس الوقت يبث الحيرة في نفس المشاهد إذ يصعب على الأخير تخيل وجود من يتكلم عن لطف الأرض وينوي أن يدفن نفسه فيها. يستفسر السيد "بادي" عن سبب ازدياد وجود الأفغان في ايران رغم ان الحرب في الوقت ذاك كانت مندلعة في كل من البلدين (افغانستان وايران) فيجيب الأفغاني بأن الحرب في ايران تزعج الأفغان إلا أن الحرب في بلدهم هي أشدّ ألماً لهم, الحرب في ايران تتعلق بالإيرانيين وليس بهم, على عكس تلك المندلعة في موطنه.

أفغاني آخر على مقربة من الحارس تختاره الصدفة ليصبح الراكب الثاني مع السيد "بادي" إلا أن دراسته الجامعية وبيئته التي كبر فيها تجبرانه على أن يختار النصائح المتعلقة بالدين الإسلامي كرادع لمبتغى الباحث عن الانتحار الذي يصف مسعاه في ذاك المشهد بأنه كلمة يجب أن لا ينحصر وجودها في القواميس فقط. ولا يمنع السيد "بادي" نفسه من أن يلجأ إلى أكثر الجمل تقليديةً حين يقول للطالب الأفغاني بأنه يستطيع أن يتفهَّم ألم السيد "بادي" إلا أنه لن يستطيع أن يحس به, ويكرر المشاهد في نفسه بعد انقضاء نصف مدة الفلم سؤاله عن ألم السيد "بادي" الذي دفعه إلى اختيار هذه الطريقة الاستثنائية في الانتحار, وما من إجابة تقنعنا كمشاهدين إلا بأن السيد "بادي" يعيش داخل كل شخص منا, يرغب بوجود من يعتني به أو يفكر فيه حتى في تلك اللحظات التي يفكر فيها بتوديع حياته بكامل إرادته.

يحاول السيد "بادي" أن يتغلب بمنطقه على معتقدات الطالب الأفغاني كي يصبح المشهد أقرب إلى مناظرة بين الدين والمنطق, يقول "بادي" بأن الانتحار إحدى الكبائر إلا أن العيش بحزن يؤذي من يحيطون بك وفي الايذاء ذنب يعادل الانتحار, إلا أن الطالب الأفغاني كالعسكري الكردي يرفض مطالب السيد بادي ومبالغه المالية ولكن دون أن يهرب مثل ما فعل الثاني.

يبدو الطريق وَعِرَاً على من اختار ابتلاع حبوبه المنومة والاضطجاع في حفرة, يختار الباحث عن الموت المكان الأكثر كآبة وضجيجاً وكأنه يصر على الابتعاد عن كل المظاهر التي تبعث على التفاؤل في الطبيعة كي لا يتراجع عن قراره.

يستريح السيد "بادي" على مقربة من قبره الذي قد يحتويه آنَ حلول المساء في مكان ينشر الغبار ويكسر الأحجار, المكان ببساطة هو معمل للأحجار  إلا أن ظل السيد "بادي" هو ما يستوقفه في هذا المكان, فالآليات الضخمة تبتلع ظله دون أن تدرك أنها تعزز فكرة الموت في نفسه, حفن التراب تتساقط بسهولة في هذا المكان, ربما يفكر في طريقة لإقناع هذه الآليات بمناداته في الصباح ومن ثم رمي أكوام التراب عليه, يكاد الغبار يبتلعه وكأن كيارستمي آمن بعبثية هذا المشهد وضرورته دون غيره من المشاهد, ودون شك يشعر المشاهد برائحة الغبار .

الراكب الأخير هو من اقتنع بالمهمة وقد يكون الرجل المسن الذي أوحى للسيد "بادي" بأنه وافق على طلبه هو من سيجد الحل لمشاكله التي لا يعلمها مثلنا, فالمسنّ قد أخذ دور السيد "بادي" واستمر بالحديث بعد أن أقنعه بسلوك الطريق الأطول والجمل لإيصاله إلى مكان عمله.

يروي الرجل المسن حكاية محاولة الانتحار الخاصة به والتي انتهت بجمع بعض التوت وهزّ الشجرة التي كانت منصة شنقه كي يجمع الأطفال الذين يذهبون إلى المدرسة بعضاً من تلك الفاكهة الصغيرة التي تسببت في عدوله عن قرار الموت, يحاول الرجل المسن إقناع السيد "بادي" وإقناعنا بالبحث عن توتنا, عن فاكهة كل فصل على حدى, ويحثّ "بادي" على عدم الاستسلام لطعم الكرز الذي سيظهر بعد بضعة أشهر .

يغادر الرجل المسن عربة السيد "بادي" بعد أن بثّ فيه كل أنواع الحياة والأهم من ذلك, بعد أن قال له بأنه صديقه, سواء غادر أم بقى وأثناء الفوضى المندلعة في نفس "بادي" بعد أن وجد من يساعده في تحقيق مبتغاه, تستوقفه سيدة بصحبة حبيبها تطلب منه التقاط صورة لهما ليعود مسرعاً إلى متحف التاريخ الطبيعي, مكان عمل السيد المسن, وعلى عكس العادة يكون الحماس أو ربما العنفوان أو على الأقل الرغبة في فعل شيء يقوم به الأحياء مسيطراً عليه ويتعرّف بعدها على اسم مساعده في المهمة "السيد باجيري " ليتخذ الفلم في الدقائق الأخيرة منحىً آخر, فالسيد "بادي" رأى التوتة أو ربما استطعمها لذلك يطلب من السيد "باجيري" أن يجلب حجرتين ويهز أكتافه عندما يأتي في الفجر.

البرتقالي والأخضر يجدان طريقهما خلسةً إلى الفلم ليوجَد "السيد بادي" لأول مرة خارج الغبار, وفي المنزل وقبل أن يبدأ بالخطى النهائية التي أعدّها لنفسه, يبدو كمن ينتظر أملاً خلف الأبواب والنوافذ الموصدة, يمضى لحفرته التي ضاقت به سلفاً, يستلقي في الظلام ليصبح المطر مخيفاً أكثر من الموت.

يستيقظ المشاهد على صوت التحية العسكرية (واحد, اثنان, ثلاثة, اربعة) بعد أن ظن أن كيارستمي سيضع حداً لخياله بتحديد مصير السيد "بادي" إلا أن طعم الكرز ينتهي كقصيدة تعيد قراءتها مراراً باحثاً عن الجديد والخفي فيها.

كل ما يحتاجه "بادي" هو الانتظار للصيف ليتخلى عن استسلامه لطعم الكرز ويسعى للاستسلام إلى طعم البرتقال الذي سيأتي في الشتاء الذي يليه.

This site was built using