النزعة الشعريَّة لهوياتنا المتقاطعة


النزعة الشعريَّة لهوياتنا المتقاطعة

*مازن المعموري/العراق

 البداية صعبة دائماً, ونحن نبحث عن مدخل لتفسير (متغيرات) الشعر العربي, وأنا هنا أضعها بين قوسين, طالما هي موضع قراءة, أو كلمة رجراجة تختبئ وراء أقنعتها المستمرة, أو كما يقول (إمْرَ كرتيس) "هذا العالم الملغى بالقراءة كان عالمي الكاذب, لكنه الوحيد الذي يمكن عيشه), بما إننا منشغلون بالأفكار سنكون بالنتيجة الحتمية مخياليين وبعيدين عن الواقع, وهو ما يجعلني أشير الى خطورة البقاء في فضاء اللغة وحدها, لكن متابعة الحركة الشعرية تجعلنا نقدِّم صورة مغايرة تستحقُّ التوقُّف عندها, انطلاقاً من التساؤل عن لحظة الاختلاف الأساسية مع السياقات السابقة, فهل يمكن وصف الظاهرة بصفتها الثقافية؟

سيكون علينا أولاً الانتباه إلى فاصلة مهمة في الشعريَّة العربيَّة, الأولى هي نزعة التمثيل الايديولوجي التي وسمت مرحلة الخمسينات وما بعدها, منذ ظهور الرعيل الأوَّل للشعر الحرّ, وحضور خطاب الدولة الذي كرَّس الكثير من الأسماء الشعريَّة لتمثيل سياسة الحزب الواحد, كما حصل مع شعراء الايديولوجيا القومية واليسار الاشتراكي عبر خطاب التناحر والعدوانية وصوت الكراهية للحوار والتعايش ما بعد الاستعمار الغربي لثقافة المجتمعات العربية, حيث هُمِّشَ وأُبعد كل شاعر يساري أو مختلف عن السياق, مثل شعراء قصيدة النثر العربية (سوريا/محمد الماغوط, أدونيس, ومن العراق/ موسى النقدي/ سركون بولص/صلاح فائق، وآخرون) .

أما الثانية برأيي الشخصي, هو ظهور النزعة الثقافية لقصيدة النثر بعد الألفية الثالثة, حيث تمكَّنت ميليشيا الثقافة من تغيير السبات النمطي لقصيدة النثر في ضوء بحثها عن هويات ثقافية خاصة بالواقع المعاش وملاحقة تفاصيل ثقافية أكثر منها يومية أو سردية عامة كما حصل في السابق, لدرجة أن الواقع أصبح مصدراً أساسياً للمعرفة ومنطلقاً لخطاب ميليشيا الثقافة, والاستغناء عن المصادر الغربية للكتابة, محاولين تجاوز محنة أن يكون الناثر شاعر أزمة أو حرب, مثلما حصل مع الشعر الفلسطيني مثلاً, بمعنى إن الخطاب الثقافي هنا هو المهم وليس القضية التي يعبِّر عنها النص.

يشكّل الراهن المعيوش المصدر الأساسي لمعرفتنا, (الراهن بهجانته, وصراعه الطائفي, وعنفه الدموي, وخرابه الاجتماعي) وليس ما نعرفه خارج الواقع كما هو (الكتب/المعارف المترجمة/النصوص المترجمة) وهذا المحور وضعنا أمام محنة معرفية هي: أن نتقبل ثقافتنا ونتعايش معها كما هي, أي الاعتراف بالقتل ومظاهره, بصفته مادَّةً للعمل الثقافي, بحيث نتعامل معه ونعمل على ترسيخ خصوصيته كسمة ثقافية, لأنه سلوك طبيعي لهذه المرحلة الراهنة في المنطقة, وهذا ما يحثنا على استخدام الوثيقة والتوصيف التاريخي للحدث وغيرها من الأشياء التي تصادفنا كل يوم .

هذا التوصيف للسلوك يحوِّل الظاهرة الشعرية من مرحلة التأملات الرومانسية للكتابة القديمة إلى مرحلة أكثر خصوصية هي: العمل, حيث تكون الكتابة لدى الشعراء (مازن المعموري/كاظم خنجر/محمد كريم) جهد وعمل للبحث والتقصي عن حقائق ومشاهدات دون تأويل أو انتماء فكري أو حزبي وحتى ذاتي, ولكي أكون قريباً من المشهد أكثر وبعيداً عن التجريد النظري, سأعمل على معالجة ظاهرة (القتل–قَتَلَة) مثلاً كالتالي:

في كل مرة أتكلم فيها عن المجتمع الذي نعيش معه تظهر لنا ظاهرة (القتل) دالَّة محورية, حيث لا تبدو الكلمة (قتلة)  صادمة إلا في حدود ثقافتنا المستعارة من الغرب, حين نتحدث عن سمات اجتماعية وفردية تصبح كلمة (قتلة) سمة إجتماعية لها تاريخ طويل ملتصقة بنا نحن العرب, التلذذ بالقتل يستدعي شهوة الحيازة على سمة البطولة الذكورية حدَ الهوَس, كقيمة اعتبارية لوجود البطل اليوتوبي, حيث يكون كل شيء مباحاً له دون غيره, وأنا هنا لا أتحدث عني كبطل, بل كقاتل هاو, يرى من حوله قَتَلة مأجورين في وسط ظلامي, لكنني كشاعر أريد أن أعيش صفة القتلة, أستخدم اللغة للتواصل مع الصور الكثيرة التي تواجهني باعتباري قاتلاً محترفاً ذو مغزى مجازي لا يقبل الانفصال عن كينونته القديمة لقتل المختلف الآخر, بكل تفاصيله الإجتماسياسية, ومنه الى التآلف مع أفراد تجمعها العصبية الفكرية للتمثيل المشعرَن لكلمة (قتل–قتلة).

القتل ظاهرة نستفيد منها برغماتياَ للحصول على حجاب آخر للوقوف أمام تيار قوي ومدمر من العدمية المحض في المجتمع العراقي, ومنَّا نحن بالتحديد(ميليشيا الثقافة) لنكون في صورة واحدة منسجمين مع المجموع الكلي للهوية, حيث الشعر لم يعد مكانا ليوتوبيات مستهلكة ونائمة على حجارة المخيلة الوهمية التي استعارتها الحداثة العربية من الغرب بطريقة مشوهة, لتعميم فكرة القانون الإنساني وحقوق الإنسان وغيرها, فالعالم هنا تسوقه القوة التي تقتل كل شيء.

الداعم الوحيد الذي نستمدُّ منه شرعية القتل هو التاريخ, كل رموزنا التاريخية قتلة من الطراز الرفيع, يمثلون بالجثث ويمتصون دماء الآخرين, في جوّ من القداسة الدينية التي تحكم وجودنا الشرقي المتدين تماماً دون استثناء, حتى بالنسبة لمن ألْحدوا, ففي كل مرحلة من حركة الصراع نجد تحولات القَتَلَة ذات بعد فكري وأيديولوجي يبرِّر قتل الآخر.

القتلة هم الايديولوجيون .. كل قاتل يحمل كتابه معه ليؤكد إن ما فعله صحيح ومقدس, وهؤلاء ليسوا غريبين عن المجتمع, بل هم خلاصاته المستمرة, وعلينا أن نرى بوضوح رضا الناس عن القتلة وانضمامهم لهم وموافقتهم على القتل أياً كان الفعل والظاهرة أو الصورة المنتقاة لفعل القتل, لان المجتمع كله ببساطة مؤدلج دينياً لقبول ظاهرة القتل والابادة الجماعية واستباحة الآخر .

القتلة هم العائلة والناس الذين يعيشون في الحي والجيران والمدينة والريف وعمال البناء وأصحاب المحلات وصولاً الى أعلى الهرم في السلطة والأحزاب وغيرها, سيعتقد البعض انني أتهم كل الناس وهذا خطأ, لكن الواقع العملي يؤكد إن الجميع يقف شاهداً على كل شيء ويتنصلون من مسؤولية القتل, لكننا في النهاية نبقى قَتَلَة .. لا بأس إنها الحقيقة وعلينا أن نتقبَّلها  وهذا يعني أننا (ميليشيا الثقافة) يمكن أن نكون قَتَلَة بروح شعراء.

من هنا, أستطيع أن أدخل الى حافة الأدب, في محاولة لقتل تقاليد رومانسية استلمناها من رواد الحداثة العربية على يد السياب ونازك الملائكة وغيرهم, هذا الإرث الكبير من الخطاب المغيِّب (بكسر الياء وتشديدها) للواقع كما يحدث, بل إنه خطاب مؤدلج ينتمي لأحزاب وسمت المرحلة كلها, وأقصد منتصف القرن الماضي وحتى 2003, وكل ذلك الزمن من التغييب المقنن والمقصود على المستوى الدولي والاقليمي, وضع الأدب والأدباء والتاريخ الأدبي على المحك مع السؤال الأخلاقي لشخصيات طالما كانت رموزاً تستحقُّ التقدير, حتى مطلع وسائل الأنترنيت والميديا السريعة والتواصل الاجتماعي الافتراضي وبروز تحولات كبرى أحدثتها مرحلة الصراع الجديد في العراق وسوريا واليمن كمناطق استراتيجية للصِدام المباشر بين القوى العالمية, فما هو موقف الشاعر العربي الرومانسي الآن؟

لا أقصد التجريح, ولكن لابد من قول الحقيقة, طالما إننا في جحيم واحد, ولا مكان للمجاملات الايديولوجية بعد اليوم, فقد كشف المجتمع وحشيته بشكل مفرط, لدرجة إننا لا نستوعب المشاهد أو الفضائح التي أعتبرها ثقافية أكثر منها أخلاقية, فبعد 100 سنة من الحداثة العربية نرى جنوداً يأكلون جثة أحدهم ويضعون رأسه قرب مائدة الأكل, وغيرها من آلاف المشاهد الواقعية التي لا تحدث حتى في أفلام الرعب والفنتازيا, فأنا لا أؤمن بالمؤامرة الخارجية طالما إننا نملك الاستعداد الكافي لصناعة الكوارث الانسانية, وعليه فإن مسؤولية التعامل مع الأدب أصبحت أكثر تعقيدا في ظل تزاحمات وملابسات الواقع, إذ لا مجال للانتماء السياسي سوى الابداع بكل أشكاله, في ضوء حركة التجربة المعاشة كما هي لدرجة إن النص قد يتحول الى وثيقة تأريخية وشاهداً على العصر .

وعند ذلك وجدنا أنفسنا في تجربة (ميليشيا الثقافة) نعمل على تبيان الحدث من أجل الكشف عن هوياتنا المبطنة بالأقنعة, وكأننا نمارس فعل التماهي والتواصل مع موجوداتنا اليومية دون مكياج أو تلوين قبائحنا, فنحن لا نستعير مفاهيم غربية مثل (الانسانية) لنغطّي وحشيتنا الحقيقية, لأننا ببساطة نشبه ما نراه الى حد اللعنة, هكذا هو وجهنا الحقيقي وهكذا هي نصوصنا الشعرية.

ـــــــــــــــــــ

 *شاعر وفنان تشكيلي عراقي, من مواليد بابل, صَدر له :(كتاب الموتى) و (حب مطلق)  و (كائنات سرية).



This site was built using